اسماعيل بن محمد القونوي

109

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

ولم يصرح للمغالبة في رد دعوى الألوهية وقيل للتواضع والمعنى أن أتبع شيئا من الأشياء ومن جملة ما اقترحتموه من إنزال الآيات وإنزال العذاب وعلم الغيب ولا أتوجه إلى نحو تحصيله ولا أقصد حصوله إلا ما يوحى إلي مقصور على أي مفهوم الكون متبعا لي بفتح الباء مقصور على الموحى إلي لا يتجاوز إلى ما اقترحتموه وهذا واضح لا خلل فيه وقيل ليس الاتباع مقصورا على الوحي بل المعنى ما أفعل إلا اتباع ما يوحى إلي على أن المقصور هو الفعل المنفهم من الاتباع لا نفس الاتباع ولا يظهر وجهه . قوله : ( التي هي من كمالات ) الأولى التي هي أكمل كمالات ( البشر ) . قوله : ( ردا لاستبعادهم دعواه ) وجه الرد ان دعوى النبوة مقرونة بالبرهان والحجة وحاصل الرد أني لا أدعي إلا النبوة ولا أدعي الألوهية على ما اختاره المص وهذه الدعوى مع معاضدتها بالآيات والمعجزات لا ينكر أحد من العقلاء ولا ينبغي إنكاره وإنما المستبعد دعوى النبوة بدون المعجزات أو دعوى الملكية كما هو الصواب أو إنما المستبعد دعوى الألوهية على ما ذهب إليه المص هنا وإنما المستبعد اختلاق الآيات من تلقاء نفسه والحصر الذي يفيده النفي والاستثناء يشعر بجميع ما ذكرناه إذ معناه مفهوم الكون متبعا لي مقصور على ما يوحى إلي سواء كان وحيا جليا أو خفيا فيعم الاجتهاد أيضا لا يتجاوز إلى غير ما يوحى فيكون من قبيل قصر الصفة على الموصوف . قوله : ( وجزمهم على فساد مدعاه ) لزعمهم أن البشرية تنافي النبوة والرسالة أو لزعمهم أن الرسالة منصب جسيم لا يليق إلا بعظيم بزينة الزخارف الدنيوية ولم يعلموا أنها رتبة روحانية تستدعي عظم النفس بالفضائل القدسية . قوله : ( مثل للضال والمهتدي ) ( أو الجاهل والعالم أو مدعي المستحيل كالألوهية والملكية ومدعي المستقيم كالنبوة ) قدمه لأنه عام لمدعي الألوهية أو الملكية الخ وإلا لفات الارتباط بما قبله وكذا في الجاهل والعالم بل الظاهر أن المراد بهما الضال والمهتدي فالتردد في العبارة والملكية هذا بناء على مذهب من قال إن الجواهر الفردة التي يتركب منها الأجسام متخالفة الماهية فلا تقبل الصورة البشرية الصورة الملكية وأما على مذهب من قال إن الجواهر متماثلة يجوز أن يقوم بكلها ما يقوم ببعضها فتفيد إمكان أن يصير البشر ملكا دون أن يكون ملكا لتمايزهما بالعوارض المتنافية لكن الظاهر أن مذاق المص هو القول الأول ولك أن تقول المستحيل في كلام المص يعم المستحيل بالذات وهو الألوهية والمستحيل بالغير وهو الملكية فلا إشكال أصلا قوله المستقيم يؤيد ذلك قيل قابل المستقيم بالمستحيل كما قابله بالمحال سيبويه وهو استعمال العرب لأن أصل المحال من أحاله من وجهه وصرفه عنه وهو في المحسوسات عين الاعوجاج انتهى هذا إن أريد بالمستقيم معناه الحقيقي وهنا المراد معناه المجازي وهو الممكن المجامع للفعل قال الإمام البصيري بأن دينهم المعوج لم يقم أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ [ الأنعام : 50 ] أي أتغفلون فلا تتفكرون .